أخبار وتقارير

  • تفاحة الحرية بين سرية الجريمة ونضالية السر


    29/05/2015
                            شيرين العيساوي تفاحة الحرية  :  بين سرية الجريمة ونضالية السر
     
     
    أقصى ما لا يمكن أن  يحتمله عدوك ، هو الابتسامة في وجه ظلمه ، لأنك لا تتحداه فقط ، إنما تدمره نفسيا ، وأنت تبرهن له أن تدميره النفسي لم يجد مع صمودك نفعا .
    الحرب إذن نفسية بالدرجة الأولى والأخيرة ، مع عدو لا يريد فقط أن يعذب جسدك أو يهلك طاقتك ، إنما يبغي تحطيمك داخليا ، لكي لا تقوم لإرادتك قائمة ، وهو يعد في التحليل النفسي أكثر أنواع التعذيب قسوة وجبروتا .
    الضرب عادة ما يفقد فعاليته مع مرور الوقت وتكرار الآلية ، فالوجع يتضاءل ، ويتعود الجسد على احتماله ، تماما كالمرض ، الذي تزول آثاره مع الزمن ، بينما يبقى القهر النفسي يضرب عميقا في الذات ، ويظل أثره راسخا في السلوك والذهن وينعكس على ممارسة جوانب الحياة بطريقة سلبية وجارحة .
    بعد أن خاض العدو الصهيوني حرب التعذيب الجسدي في الخمسينات والستينات وما تلاها ، لم يجد صدى لكل المحرمات التي ارتكبها بكل وحشية ، وكانت دليلا ثبوتيا أمام العالم على جرائميته و نازيته التي فاقت النازية ، وهذا تحديدا ما نظف صفحته من تخليف أية أدلة وراءه  ، ليبتكر تقنية أكثر خبثا ، و سرية ، بحيث لا يدين نفسه ولا يتخلى عن جريمته في ذات الآن ، إنما بأدوات جديدة لا يترك بها بصماته على جسد الضحية . فإلى أي مدى نجح المجرم بالتملص من جنايته ؟
    لو كنا نتعامل مع ضحية أخرى في أية بقعة من هذا العالم ، لقلنا أن السجان لا بد حتما أن ينجح ، في ردع السجين ، ولكننا ونحن نتحدث عن قضية فلسطين سنضطر مجبرين للاعتراف بأن الفشل هو حليف هذا العدو ، لسبب بسيط جدا : هو أنه لا يوجد خيار للأسير الفلسطيني أمام هذا القهر النفسي سوى مقاومته  ، وعدم تحقيق هدف السجان ، كي لا يكافئه على تدميره للأسرى ، ولا يجاريه بإسرار جريمته وإضمارها في ذات الأسيرة والأسير !
    لهذا السبب يصبح الوعي الفطري هو السبيل لاتقاء السقوط في خانة العصافير ، أن ترضخ لأساليب عدوك الغير مرئية يعني أن تعينه على التمادي بها بالتالي تكون شريكا بجريمته وخائنا لفطنتك .
    هذا ما حدا بالأسيرة البطلة شيرين العيساوي ، بعد الضرب الذي تعرضت له والعزل بالزنزانة الانفرادية بذريعة ملفقة ، أن تظهر في المحكمة وآثارا لضرب تحيط عينيها ، بكامل هدوئها وسلامها الداخلي ، وقد حملت إلى سجانها هدية خصته بها دون سواه : الابتسامة ، فما أقسى وأفظع هذه الهدية لمن لم يكن يريد سوى عدم انتظارها أو الحصول عليها بل و تهشيمها !
    الله ، ما أجملك أيها الصمود ، الله ما أعذب  روحك وهي تثب من شفتي الأسيرة كطائر الجنة ، أي صبر هذا يا إلهي أية عزيمة أية حواء تلك  التي تقطف تفاحة الحرية من أنياب الشيطان ....رباه ما أعظم الكبرياء !
    ليست هذه هي المرة الأولى التي تؤسر فيها شيرين العيساوي ابنة القدس الشريف ، ولن تكون حتما هي الأخيرة ، ولكنها في كل مرة لا تتأقلم مع السجن بقدر ما تروضه ، حين تفهمه جيدا بحدس الشجاعة ، فإما أن تقهره وإما أن يخرجها من جنتها فيدخلها في لحم عتمته ، وهو ما تأباه في كل مرة وهي تتفوق على السجان فتطور أدواتها النضالية ، التي تدمر بها كل أساليبه التدميرية ، فترد له الصاع بألف ، إنها تشتغل على نفسيته وذهنيته بذكاء ومكر ، والله خير الماكرين .
    حسنا إذن أيها السجان ...لن أسألك ما الذي أحسسته حينما فاجأتك الأسيرة بابتسامتها ، لأنك لا بد تأكل نفسك غيظا ، وأنت تنهزم بمرارة أمام نفسك وقد قهرتك ضحيتك برفضها لقهرك لها .
    على الجانب الآخر ، ترى أم الأسيرة ، وهي تخصص جداريتها على الفيس بوك لأدعية الصباح ، والشفاء ، والسعادة والصبر ، كي لا تجعل من جدرايتها فخا يوقع أي فلسطيني في يدي العدو الذي يتربص بمن يتعاطفون مع ابنتها شيرين العيساوي .
    هذه الأم تعمل باستيراتيجية سرية أيضا ، وبين سرية الجريمة عند العدو وخبثها لتغدو فخا للإيقاع بالذات النضالية ،  وسرية الصمود عند الأم ، وحنانها الذكي بالإصرار على دعم قضيتها بنباهة وحرص على عدم الإيقاع بالمؤازرين لها ، فارق شاسع وبرزخ به لا يلتقيان .
    يا الله ، لم يبق لهذه الأرض إلاك ...والأسيرة لا تريد من الأرض كلها سواك !

     
                                                                         بقلم أسرانا
     
     
     
     
     

عدد المشاهدات : ( 950 )


التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك