دفاتر السجون

  • ذاكرة الأوجاع بقلم الأسير أيمن الشرباتي


    17/04/2013
    من دفتر القصة
          
     
    حتى لا يصرع الجوع حلمه .. يقرع الوطن أبوابنا بلهفة حرمانه ، يسألنا الحاجة .. ضمائرنا لا تبقي باباً موصداً بوجهه لكن ضيق ذات اليد لم تبق لنا ما ننفقه ..
    سوى كسرة حياة هي كل ما أبقى عليه الزمن في رغيف عمرنا اليابس .. نجود بها مشفوعة بالإخلاص يلتقطها وينطلق محلّقاً من جديد ..
    يقتات مكتفياً بهذا الفتات يقضم ويهضم فيتعالى ويتعالى حتى يتراءى لنا صادقاً كملاك الوحي يشعلُ الأفق الأزرق بأجنحته الخافقة إذا همست شفتاه أصغينا مبهورين وإن أومأ بجناحيه تبعناه مسحورين ..
    كما تبع الابن البار إسماعيل رؤيا أبيه النبي المختار إبراهيم عليهما السلام حين قال: يا أبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ...
    ومدَّ النبي ابن الأنبياء عنقه آيةً على صدقه ونحن مثله لم نأبه إن افتدينا بكبش سمين مثل "رون اتراد" أسقط من عليائه ... أو غثٍ مثل "جلعاد شاليط" انتزع من حضن لوائه أو آل مآلنا إلى نعش متواضع بسيط كنعش شادي سعايدة .
    لكن الفاجعة كانت بأننا ذبحنا جهاراً نهاراً بخنجر مرصّع بالوهم.. أخذته الكروش المنتفخة بالجشع زينةً لها عند كل مذبح ذبحنا امتدّ من الوريد إلى الوريد نَزْفُنا مضى من العيد إلى العيد حتى شحّت الدماء بالشرايين وبقي خيطٌ واهنٌ هزيلٌ حبا على ركبتي فطرته بغريزة الصلاة اهتدى قبلته الأولى لينجو من السفك هباءً عباءً.
     
     
    احتمى بمنبر صلاح الدين بحدس أمومتها وصدق نبوءتها انحنت عليه الأقصى لتلتقطه وهاتفت به رفح على رقم النكبة المدون على مطلع ذاكرتنا الرقمية علها تخلع ثوب حزنها وتفرح .
    فقد طال ارتداؤها لكفن الموت فجنت اليأس من مسعاها وضاعات الآمال فاستدارات بقلب مكسور صوب الشمال وهاتفت جنين على رقم النكسة محفورا على لوح الاستهتار العربي علّها تبرأ من جراحها وتلين.
    فعادت وهي تلملم أطراف الفشل وشاحت الجموع بوجهها عنها فأكرهتها المرحلة على حفظ خيط الدماء من مكر النسيان في حناجر المآذن واعتصمت من طوفان الدموع المتدفقة من عينيها بحبل تجربتها وما فتئت تذكّرنا بكرةً وأصيلا بضرورة العيش في كنف التنوع والتعدد فهو ثراءٌ وإثراءٌ للوطن والمواطن ..
    وناشدتنا باسم الضمير والمصير أن نتّبع سنّة الأولين والآخرين في الحوار وفي حسن الجوار بين الحجج والأفكار لآننا لن نجد لها تبديلا.
    لكن ما الجدوى فقد استثرت العدوى وصمّت الآذان بالطين والعجين وانكشف الندى أمام الصقيع.. وانفرد الموت بالحياة كما ينفرد الذئب الكاسر بالحمل الوديع .. توضأت الأقصى بدموعها وصلّت على نور شموعها تضرعت إلى الله بهلال قبتها أن ترى حمامة طوفانها عن قريب علّقت أمنيتها على قوس قزح كالفانوس فقبلتها سفينة فيها من كل زوج اثنين .
    و قبل أن تعتكف بمحرابها وتصوم عن الكلام المباح والمتاح عادت وذكّرتنا بوصايا صلاح الدين في حطين وبخطايا راغب النشاشيبي والحاج أمين الحسيني في ذلك الحين .
    فقد كانت المعارضة من طرفها قد عجّلت بمصير خصمها العنيد الحاج أمين .
    حاكت له كفناً على نول جهلها بسطته تحت أقدام شيعتها يطؤونه بأقدامهم عند إقبالهم على غزواتهم وعند إدبارهم من فزعاتهم يدنّسون أثره بالبصق عليه كي يبقى الحقد محتشداً في صدورهم.
     
     
    وبجّلوا سيّدهم راغب النشاشيبي بنصبه وثناً خشبياً على صورته في باحات عقولهم فلمْ تعدْ مخيلتهم تتسع لسواه وأقاموا شعائر السمع والطاعة على توقيت القبيلة المتدفق في شرايينهم منذ قحطان وعدنان .
    قدسوا سيدهم راغب كما قدس الزير سالمُ أخاه ومليكهُ كليب حتى اخدرّت قلوبهم من ضربات عصا الطاعة وغدتْ قلوبهم مضغةً مشلولة معلولة لا حول لها ولا قوة .
    فتماهوا مع وثنهم حتى تحولوا إلى طائفة من خشب تنهش السوسة في عقولهم .. لم يتداركوا خطر النيران التي أضرمتها شرارة العصبية في حبال خيمتهم .
    فقد انكبوا على ترتيل آية من الكتاب الأبيض وهم يتحسون حتى الثمالة خمر تقاليدهم المتعفنة بقوارير الموروث والمغروس.
    فنار السائد البائد أتت على العابد والمعبود .. استفاقت الأجيال من بعدهم على كابوس من الرماد تذروه رياح الحقيقة في عيونهم كلّما طلع في خلدها أن تهب فتضيع معها الرية والراية تخرج لاقتفاء أثرهم فيزحف الرماد أمامنا كصحراء فنتوهُ جيلاً بعد جيلٍ ويضيع منا الدليل تلو الدليل.
    أما المجالسة المأخوذون بزعامة وعمامة مرشدهم ومفتيهم الحاج أمين الحسيني كأنه الإمام الغائب وقد حضر للتّو ومعه الخلاص صادقاً لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من بين قدميه .
    وَرَجَّ على ألسنتهم نعت خصمهم راغب النشاشيبي بإبليس المعارضة واعتبروه ألدّ اعدائهم وعقبةً  في طريقهم المعبد أصلا بالعقبات وأَبُوا على قذفه بجمرات الخيانة العظمى المقتلعة من موقد حقيقتهم أثناء تأديتهم لمناسك الكراهية لمن عادوا والمحبة لمن والوْا يزجُّ بهم الحماس في دائرة الزحام والتدافع فيسحقون بخطاهم الضالة المُضِلَّة أزهار التسامح المتفتحة في بساتين القلوب كسيل بشرى جارف يغمرون الحضرة الحسينية .. ينجذبون إلى شيخم الحاج أمين كأنه مغناطيس إلهي ..
    وأرواح مريرية تطوف به كأنها شظايا مديح تذوب في كأس حُبِّه المقدس كما يذوب الضباب في الهواء فلم يَعوا ما قاله بالفور لليهود باللغة الإنجليزية ولا ما حَلُمَ به هرتسل باللغة العبقرية ودوّنه على صفحات ترابهم .
     
    وأصبحوا يصغون للرد دروشتهم سيف الدين الحاج أمين المنبعث من أعماق حناجرهم الملتهبة بالحماس وألسنتهم المسترسلة بالتكرار وكلّما تعالى صوتهم تسارع إيقاع خطاهم المتحلّقة حول شيخهم.. صَفَتْ نفوسهم من الترنّح يميناً ويساراً فازدادوا التصاقاً بشيخهم جوعاً لكراماته.
    فلم يشبعوا ولم يرتووا فانقضّوا على عَمامَتِه مزَّقوها إرباً إرباً اتخذوها عُصْبةً وضعوها على عيونهم بدل أن يضعوها على جبينهم إفراطاً بالتبرُّك ..
    فيا للشقاء يعتبرون أَنَّ الغطاء يُكشَفُ بالغطاء فَتَحُلُّ عليهم البركات والكرامات .. فيتسمّرون في أماكنهم من ثِقَلِها حتى تنغرِسُ أقدامهم في أماكنها وحيث تسطع شمسُ الأحداث على رؤوسهم محاولةً إيقاظهم تأبى جوارحهم الاكتراث حفاظاً على التراث حين تستدير لتستجير بالحكماء منهم.
    تتحول نزهتهم الروحية إلى سياسية صوفية لا صلة لها بقوانين الجاذبية بل هي سياحة في رحاب التاريخ ما أشبه اليوم بالأمس والأمس بالغد .. لكن خلايا أيامنا تحل نفس صفات المأساة تتوالد عند نفس المخاض وكيف يا ترى ننتج زمناً يناسب أحلامنا؟
    وهناك من يعقد الناقة كلما آن أوان الإنتصار .. فتزيغ الأبصار وتنحرفُ الأنظار عن القبلة الأولى فتصبح أولوية الأولويات وآلية الآليات .
    كيف يترك الرماة سفح الجبل ويهرعون لجمع الغنائم بأكياس ثقبها رصاص الغزاة .. وصنعوها على عجل من جلد ضحاياهم المكدسة بأرض المعركة كحطام السفن في قعر المحيط وما كانت تجمعه الأيدي من دروب تهدره الأكياس من الثقوب فيكون حال صاحبها كمن يحرث البحر ..
    فيتحول الدخانُ الأسودُ المنعبثُ من محركات التعصب في عربة السلطة إلى سحب سوداء كالليل البهيم وسلاح الحرية يفقد رغبته بالقتال وتتلاشى همّةُ الكفاح وتضيق مخيلتنا النضالية بما رحبت وتفقد العناوين سبيلها والشقاق يفتك بالصفوف والنقاف يهتك بالألسن كالسرطان حتى شارفت الإرادة على الهلاك وشاع الخوف !
    أما القامات المنتصبة كالمنارات الشامخة على شواطئ البقاء أخذ الضعف والهزل منها كلَّ مأخذ
     
    آخرها نصبُ الجندي المجهول أصيب بهشاشة العظام فهوى محطماً !
    الوهن نال من العزائم كل منال مع توالي الهزائم .. الإعياء بعث برسوله الشحوب حتى آمنت به نضارة الحياة المتفتحة في وجه حلمنا الوطني .
    وظلام السجن أخذ يتقلبُ كالدهر يتصلّبُ كالصخر يعكّرُ بقسوته نقاء الأنفاس
    يُكدِّرُ بعتمته صفاء الفجر المنبثق من فحمة الغسق وقلوب الأسرى المضاءة كالقمر بوهج الثورة
    المرفوع بالعطاء إلى مرتبة النجوم .
    أضحت في عرف الأخوة الأعداء الأخوة تتوارى من الألم خلف جذع الشوك على شجرة صمودهم
    تارة تتوسلُ نسيم البحر أن يهب من غزة هاشم عّله يسعفها ، وتارة تستجدي عبقَ الضفة أن يفوح من شفاه الأرض رغماً عن أنف الإحتلال الغاشم كي لا تتعفن الثمار من طول الانتظار ، وتنهالُ تحت نعال سجّانيها ما حجبتهُ السحب السوداء بقتامتها .. باحت به ذاكرتنا الخضراء بنقاوتها حين داعبت بأناملها اليافعة أغصان الصيف اليانعة.. فهبَّت نسماته يخالطها حفيف الأوراق وتداعبُ مخيلتنا بروائح الموسم فنحن في تموز سنامةُ الصيف.
    والأرض جاءها المخاض تحت جذع السماء وهي توشك أن تضع مولودها البكر فالفروع تودُّ أن تطرح أثقالها .. والثمار تزهو بألوانها البهيّة وتختالُ بمذاقاتها الطازجة الشهيّة فقد دنتْ عناقديها من القطاف ونحن ندنو وندنو من الانعطاف نحو الهاوية ..
    أقولها بكل أسى يا عّلّه وعسى أن نتعلم من الأرض التي نموت من أجلها .. كيف تحتضن بأحشائها المظلمة نواةً تومضُ بالحياة تجتازُ بها الفصول لتضعها بالنور .. تماماً كما ترعى السماء شجرة نجومها
    فياليتَ الأشجار خيالٌ والترابُ آمالٌ
     
    والحكمة غلالٌ والعقول سلالٌ
    لانقضى أجل الإحتلال منذ أجيالٍ
    فكلما أطفئت ذاكرتنا الحمراء بدمويتها شموع التسامح والتصالح المضاءة في أيادينا أضاءتها ذاكرتنا الخضراء بشعلةِ عطائها من جديد .
    بقلم
    المواطن – أيمن ربحي الشرباتي
    سجن هداريم
    21\9\2007 م
     
     
                      أسرانا
            

عدد المشاهدات : ( 1441 )


التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك