ذاكرة القضبان

  • الطريق إلى جهنم - الحر رائد العيص


    17/04/2013

    ما الذي يدور في غرف التحقيق المغلقة ؟
    كيف يبدو المحقق ؟ وأين تكمن الصعوبة في مواجهته ؟
    هل تجدي أساليب التحقيق في إسقاط الأسير ؟
    متى ينتصر المحقق ؟ وكيف يُهزم ؟  
    الأسير الحر رائد العيص ، رفض أن ينقلب من صاحب حق إلى عدو للحق ، ثبت أمام قلبه أولا ، وكانت نقطة ضعفه اتجاه أهله هي دافع قوته الأقوى ...هؤلاء رجال لم يعرف التاريخ مثلهم ، رجال يدلونك على هيئة الصمود في قامة الجبال الراسيات ...رجال يركبون الخطر بحثا عن واحة أمان ، وينشدون السلام من زند بندقية ، رجال تخشع في حضرتهم القسوة ، إذ يقسون من رحمة ..هؤلاء هم رجال البطولة أبطال الوطن .
     
    اعتقل رائد مرتين ، المرة الأولى كان عمره سبعة عشر عاما ، في الانتفاضة الأولى ، وكان الاعتقال تحقيقا ميدانيا .
    اعتقال المرة الثانيةكان خلال مظاهرات في رام الله ، وكان اعتقالا توقيفيا لمدة عشرين يوما .9-6-2001
    الاعتقال الثالث كان خلال الانتفاضة الثانية حيث قضى في الأسر سبع سنوات .
     
    صدمة الاعتقال من قوات المستعربين و كمائن الجيش
     
    ( اعتقال المرة الأولى كان صدمة بالنسبة لي ، كنت لم أزل شابا صغيرا ، كل أفكاري لم تتعد حلمي بأن أرى الدنيا والعالم " بدي أطش " ، لم أكن ناضجا بعد ، صدمت حقيقة لما أتوا في عتمة شديدة من الليل في الثاني والعشرين من فبراير ، دخلوا على البلد وكنت أنا والرفاق نتمشى بعد انتهاء احتفال الرفاق بذكرى انطلاقة الجبهة الديمقراطية ، فجأة رأينا ملثمين ، ظنناهم شبابا من بلدنا ، فقد كانت ظاهرة الملثم منتشرة آنذاك ، لكننا تفاجأنا بهم يمسكوننا ، وينهالون علينا بالضرب ، كانوا قسمين ، مستعربين ، من قوات المستعربين ، وكمائن كان نصبها لنا الجيش ، نقلونا تحت تهديد السلاح ، قاموا ببطحنا أرضا ، وكنا ثلاثة شباب ، أحدنا تصاوب ، لكنهم أبقونا منبطحين أرضا لثلاث ساعات ، أول مرة نمر بهذه التجربة ، قرب مركز جيش كان يبعد عنا ثلاثة كيلو مترات ، ، أركبونا البوسطة التي كانت صغيرة الحجم ، وكانوا قد اعتقلوا المزيد من شباب البلدة ، فلم تكن تتسع لعددنا الذي بلغ وقتها 15 أسيرا ، نقلوا معنا جنودا ، أجلسوهم على المقاعد بينما وضعونا على أرض البوسطة ، ومن البلد إلى رام الله مسافة 30 كيلو ، كان مقر مركز التحقيق الاسرائيلي وقتها هو مقر المقاطعة الآن في رام الله )
     
    رفض الناس إيواءنا في البيوت ،  فقضينا ليلتنا في بلكونة مكسورة لبيت مهجور !
     
    ( وصلنا الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، حيث بدأوا بالتحقيق معنا ، تحقيقا ميدانيا، لأننا صغار استعملوا معنا أسلوب الضغط النفسي ، لعبوا على الوتر النفسي لإسقاطنا كجواسيس ، ثم عرضونا  للضرب والتهديد بالأهل وأسرهم ،  ضابط من منطقتنا سألني :  "  ليش انت هون قال لي خلينا نخلص الموضوع انت مش رح تروح رح تضل سنة زمان عنا ويمكن يخرب مستقبلك  "
    كان أمامي حسب محاولاتهم إما أن أبلغ عمن يعلق الصور ويوزع المنشورات ، أو أن أبقى إلى ما علم ربي ... لما اعتقل مسؤول التنظيمات الشبابية في المدرسة في ال  87 ،بدأت قصص الاعتقالات والتحقيقات تتضح وتنتشر بيننا ، والأسرى الشباب عادة ما يستفيدون ويتسلحون بخبرات الآخرين ومنها ،  حسب انخراطهم بالعمل السياسي واحتكاكهم بالناس الواعين ... أحد الضباط سألني : ليش إنت عنا هون بالسجن ؟ قلت له : هاي الأرض إلنا بدليل إنت جبتني من بلدي أنا ما جيت عندك " كانت بيده  عصا لمقشة ، ضربني بها ، أحسست بنوع من التحدي الكبير لحظتها ، جعلني اتماسك ولا أبكي ولا أصرخ رغم الألم الشديد ، كي لا يأخذ السجان نقطة ضعف علي . المهم أنني رجعت إلى بيتي بعد هذا الاعتقال الميداني الساعة الرابعة صباحا ، برفقة الصحاب ، كان البرد قارسا ، والطريق بعيدة جدا ، ولا مكان نبيت به ، وقد كانت تلك الفترة فترة زمنية مشحونة بالاضطرابات والخوف والقلق ، لأننا لما طرقنا أبواب بعض البيوت وطلبنا من ساكنيها إيواءنا حتى الصباح لم يفتحوا لنا ،واصلنا المسير ، حتى عثرنا على بيت مهجور ، كانت له بلكونه ، مكسورة ، ولكنها كانت بالنسبة إلينا كافية لنقضي ليلتنا فيها ونبيت في ذلك البرد الذي لا أصدق حتى الآن كيف احتملناه . ولكن من شدة التعب والإنهاك اضطررنا  ولم يكن أمامنا خيار آخر )
     
    العصافير كانت بانتظاري في البوسطة والزنزانة
     
    ( وقع الاعتقال الأخير ،  على مدخل رام الله ، من حاجز أقاموه في  الصبح ، وضعوا عنده فخا ، وقد أخبروني ساعتها أن نيتهم كانت أن يأتوا قبل ليلة على البلد لاعتقالي ، لكنهم انتظروا حتى الصباح ، كنت متوجها إلى العمل في التاسع من حزيران عام 2001، وقضيت في مستوطنة بيت إيل القريبة من رام الله بمركز التوقيف فيها يومين ، الغرف هناك كانت ضيقة جدا ، تتسع لفرشة واحدة ، لكنهم زجونا بها كنا خمسة شباب ، بعدها نقلونا إلى المسكوبية ، وكان يسمح لنا الذهاب للحمام مرة واحدة فقط باليوم ، عشنا ظروفا صعبة لا تصدق ولا تطاق ، بعد ثمانية أيام كان أمامنا إما الرجوع لبيوتنا أو الحكم الإداري ، وهذا ما لم أتمناه ، وقت العصر جاء الحارس وكنت مستلقيا على قدم أحد الشباب ، قال لي تعال واحضر كل حاجياتك معك ، أخذ الأمانات ، وكلبشوني ، وضعوني بسيارة مغلقة بالطريق إلى المسكوبية ، الطريق استغرقت وقتا طويلا ، وهذا طبعا متعمد ، لأنهم وضعوا معي أسيرا آخر ، بدأ يسألني ويتحدث معي مطولا فعرفت ، لماذا أخذت الطريق كل هذا الوقت .
    قال لي : وين  ؟ قلت له :  زيي زيك  ، قال  ، بقدر انا رايحين على المسكوبية ، مسلخ  ،  قلت له  : في نهاية الامر الامور واقعة ان وقعت صير زلمة  ...
    بدأ يأخذ ويعطي معي ويثير المخاوف حول مجهول ينتظرني ، تأكدت وقتها أنه جاسوس ، طبعا أوقفوا السيارة في منتصف الطريق وقاموا بإنزال هذا الجاسوس ، فلم يجد ما سعى إليه .
    نقلوني بعد أن وصلنا إلى الفحص ، ومن ثم إلى الزنزانة ،هناك وجدت عصفورا ينتظرني ، كان نائما ، أغلقوا باب الزنزانة التي لايوجد بها سوى طاقة صغيرة جدا عشرين سم ، وضوء خافت ، لون جدرانها رمادي ومقصورة بطريقة غريبة ،  مغلقة نهائيا كان هناك شافط هواء ومقعد للمرحاض مع حنفية ماء  لا يمكن إحكام إغلاقها ، بحيث تبقى طوال الوقت تقطر ماء بهدف إزعاج الأسرى ، وهناك بطانيتان ، رائحتهما نتنة ، حتى الطاقة الوحيدة التي في الزنزانة كانت على شكل درج  ،  النائم كان يصدر أصوات أنين عالية جدا ، استيقظ مجرد وصولي ، قال مرحبا ، لقد سلخوني هنا ، وبدأ بأساليب الإحباط ، قال لي أنه من أريحا ، وأن لديه مجموعة مسلحة ، وإلخ .. قلت له معلش بدي أنام ، ولما استيقظت لم أجده )
    الطريق إلى جهنم
     
    ( الحراس بعدها كلبشوني من يدي و  قدمي ، وألبسوني نظارة سوداء كنظارة الحدادين ، سحبوني لأطلع معهم درجا أحسست أن لا نهاية له ، فحذائي الرياضي لم يكن برباط وكان من الصعب علي التحكم به ، وكلما حاولت أن أرتديه بعد أن كان يفلت كانوا يقومون بضربي ، أدخلوني غرفة وأجلسوني على مقعد مثبت بالأرض وبوضع مائل ، أوثقوني إليه بجنزير ، وانا مكلبش كليا ، ويدي للوراء ، لم أعرف أين معطفي أخذوه ، وكانت الغرفة باردة جدا حيث كان التكييف باردا جدا، بدأ جسمي يرتجف ، وبعد نصف ساعة جاء ضابط وقال لي لا بد أن نتحدث مع بعضنا ، ذكر لي اسمي كاملا ، و صار يرسم لي أسلحة وعبوات على لوح  ، ثم استطرد : "  مبديش تحكيلي انت بتنظيم انا ما بعنيلي ، انا بدي تحكيلي عن السلاح اللي عندك "  قلت له :  انت غلطان بالعنوان !
    قال : انت مقرر اعتقالك من يومين ما اجيناك على البيت والصاروخ تبعك جاهز !
    قلت له  : العمر بايد الله .
    أصر علي أن أتعاون معهم ، فرفضت ، قضينا يوما كاملا يقول لي أنت فعلت وأنا أقول لا ، وصار يسمي لي بإخوتي وأولادي وأقربائي ليثبت لي أنهم متأكدون من صحة معلوماتهم ، وهكذ استمر الوضع طوال الوقت ، محقق يأتي ثم يذهب  وآخر يتبعه ، أحدهم يضرب والآخر يهدد وثالث يتحدث بلطف ، ويقدم المغريات ، هكذا لكل محقق أسلوب يختلف عن غيره ، نوعوا معي بالأساليب كلها ، وهددوني باعتقال أولادي وزوجتي ، ومارسوا كل أنواع الاستفزاز ، قلت لهم عادي ، قالوا حرام عليك ، اولادك صغار ، قلت لهم قدرهم ، أحدهم أخبرني أنه سيذهب برحلة مع زوجته وأولاده ولم ينجحوا بإضعافي أو استفزازي  )
     
    الطبيب شريك المحقق
     
    ( في الانتفاضة الأولى كان التعذيب أقل وطأة ، لأن الانتفاضة الأولى شعبية وليست عسكرية كالانتفاضة الثانية ، خلال التحقيق منعوني من النوم لأسبوع كامل ، الطعام أيضا وسيلة تعذيب ، أول مرة رأيت الطعام فيها تقيأت ، تعبت ومرضت فأخذوني إلى الطبيب ، قال لي : خلص اللي عندك بسرعة وارتاح ، قلت له أنا لم أطلب أن اراك هم أحضروني إليك " )
    نقطة ضعفي دافع قوتي ..
     
    ( كان عندي ولد وابنة ،  البنت سنة ونص الولد أكبر بسنة  ، وكان متعلقا بي وزوجتي كانت من الأردن ، لم تكن تعرف أحدا في الضفة ،  كل هذا كان لابد أن يؤثر على نفسيتي ، كنت أقتل من الداخل كل يوم ألف مرة ، ولكنني أمام المحقق ، كنت أبدو بكامل هدوئي وتماسكي ، المسألة كانت مسألة تحد ، لو انكسرت انتهيت ، كنت أيضا أكبر أفراد أسرتي ، وكان أبي يعتمد علي بكل أمور البيت ، فهو رجل مسن ، كنت أفكر كيف تدبر عائلتي الأمور بدوني ، إخوتي صغار ، وكل هذا كان دافعا لقوتي أمام عدوي ، سألتيني إن كنت خائفا أن أضعف ، أبدا ولا لحظة ، من صغري كان الشباب يلقبونني بصاحب القلب القاسي ، القسوة التي تعني التحمل والثبات ، عموما بعد ستة أشهر من أسري تمكنت من رؤية عائلتي فلقد حصلوا على تصريح لزيارتي ، وقد كان السجان المحقق يتربص لهذه اللحظات ، بعد أربعين أو خمسة وأربعين يوما استدعاني المحقق ، تفاجأت بضابط من منطقتنا ، اسمه كابتن رسمي ، عندما رآني مكلبشا طلب فك قيودي ، وقال لي اجلس هل تريد قهوة ؟ قلت : لا ، قال : أنت مدخن فكيف لا تشرب قهوة ، قلت نعم ولكن لا أشرب قهوة .
     
    رفضت أن أتحدث مع أهلي بالهاتف ، ولم أرضخ لمساومة ..
     
    قال : هل تريد أن تتحدث مع أهلك بالهاتف الآن ؟  قلت : لا ، قال :  ليش  ، قلت :  الهم الله، قال  : قضيتك بتاخد 15 سنة ،  قلت  :  الهم الله انا بعد 15 بكون عايش ، فيه أطفال غير ابني  فقدوا اهلهم ،  قال :  مش حابب تحكي معهم اخد التلفون قال بدي احكي  ، قلت :  لا ما بدي احكي قلت له : من مصلحة ابني أن أسجن ، أنا أتقاضى الآن راتبا ، من قبل كنت آخذ راتبا واحدا  ، بعد الأسر سيحصل ابني على راتب من كل واحد يزوره من العيلة ، قال  : بدنا شوية معلومات ، انتو بتفجروا باصات وتضرونا بالارهاب !
    قلت :  شو المقابل  ؟ قال :  لااحنا بنرتبلك مستقبلك وبنرتبلك امورك ، قلت له :  خليني انا بدي احكي معك دوري... وسألته : كم راتبك ؟
    قال : كتير 14 الف شيكل ..
    قلت له : انت تطلب مني معلومات ، بينما ممكن أن تجند غيري عشرين أو اكثر ، بأقل بكثير من هذا ، قال : أنت زلمة قيادي ، لك وضعك ، ، قلت له عندي لك عرض ، أن تشتغل أنت معنا ،طبعا قلت هذا بعد أن تأكدت أن  الامور كلها بين يديهم وأصبح كل شيء واضحا لهم ، بعد أن قام أحد العصافير بالوشاية علينا  ، طبعا عرضي استفزه ، ضربني ، وشتم أهلي وإخواتي بألفاظ بذيئة ، وطلب من الحراس إعادتي للزنزانة ..... كان من المستحيل أن أقلب الأمور ، أو أقبل بأي عرض ، صعب أن انقلب من صاحب حق إلى عدو للحق الذي ضحيت من أجله )
     
    أسرانا
     

عدد المشاهدات : ( 1609 )


التعليقات

الاسم فلسطينية في الشتات
التاريخ 24/04/2013 11:45:02 ص
التعليق عاش البطل والذل لمن خان الوطن
الاسم نهلة أبو بكر
التاريخ 24/04/2013 11:48:53 ص
التعليق أدعو شرفاء الإعلام الانتباه إلى حكايا الأسرى بعمل مسلسلات وأفلام فحياتهم غنية با لحكايات الحقيقية

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك