ذاكرة القضبان

  • إضاءة على تجربة المناضل " ناصر دمج " .. من وحي الذاكرة بقلم الحر ناصر دمج


    17/04/2013
     
     
    سيرة الحر بين الاعتقال والتحقيق
     
     
    الأسير المحرر والكاتب الفلسطيني ناصر دمج
     
     
     
    الأسم  : ناصر سليمان أمين دمج
    الحالة الإجتماعية : متزوج  وله أبن ( محمد ) وبنت ( ميرال )
    المؤهل العلمي: علوم سياسية وإعلام - جامعة النجاح
    تاريخ الإعتقال الأول :24/3/1982م .
    تاريخ الإفراج الأول: 11/4/1982م.
    تاريخ الإعتقال الثاني : 28/12/1982م .
    تاريخ الإفراج الثاني: 3/8/1987م.
    تاريخ الإعتقال الثالث : 18/4/1988 م
    تاريخ الإفراج الثالث: 20/9/1989م.
    سنوات الاعتقال: سبع سنوات.
    العمل الحالي: موظف في جامعة القدس
     
    الخبرات.
    تولي ناصر دمج العديد من المناصب القيادية في المجالات الإعلامية والثقافية والبحثية والسياسية والتنظيمية والإدارية، من بينها:-
     
    1. أمين سر إقليم جنين في حركة فتح، ومنسق اللجنة اللوائية مع بداية إنطلاق الإنتفاضة الفلسطينية الأولى 1988م .
    2.مدير مؤسسة الأثير للأبحاث والدراسات الإعلامية  - جنين 1991-1994 .
    3. محرر رئيس في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية 1994 – 1995.
    4. مراسل إذاعة صوت فلسطين في محافظة جنين 1994- 1995.
    5.مدير  مكتب وزارة الثقافة  في جنين  1995 – 1999 .
    6. مدير عام  مرجعية حركة فتح  2000 -  2003.
    7. مدير العلاقات العامة في مكتب التعبئة والتنظيم - فتح 2003 – 2004 .
    8. مؤسس المقر العام لحركة فتح في الضفة الغربية  2003.
    9. مدير المقر العام لحركة فتح في الضفة الغربية (التعبئة والتنظيم) 2004 – 2006 .
    10. مدير عام الهيئة العامة للأمن القومي 2003- 2006 .
    11. عضو إتحاد الكتاب الفلسطينيين .
    12.عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين .
    13.عضو الهيئة العمومية لمنتدى الفكر العربي .
    14. مدير وحدة العلاقات الخارجية في مركز الشهيد أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.
     
    الأعمال الإبداعية: 
    يعد ناصر دمج كاتباً وباحثاً متخصصاً في مجال العلوم السياسية، والشأن السياسي بشكل عام، والقضية الفلسطينية بوجه خاص، إلى ذلك فقد قام بإعداد مئات الأبحاث والدراسات السياسية والإعلامية، وصدر له العديد من المؤلفات والدراسات أهمها:-
    1.     كتاب          تحولات منهجية في مسار الصراع العربي الإسرائيلي
    2.       -             من قلب الحصار
    3.       -             الصارخون حتى الصمت
    4.       -             معتقل أنصار شاهد على عصر الجريمة
    5.       -             معضلات إستراتيجية
     
     
    الاعتقال الأول
     
    في بداية شهر آذار من العام 1982م، إندلعت إنتفاضة جماهيرية حامية الوطيس ضد تعسف المحتل الإسرائيلي، وقد خرجت المظاهرات في كل المدن والقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة، وشاركت أنا وزملائي من طلاب المدارس بما تيسر لنا من إمكانات المشاركة في التظاهرات، وفي يوم 24/3/1982م رأيت بأم عيني كيف قتل الجنود الشهيد (فتحي عيسى القانوح) أمام مبنى البريد في شارع الملك طلال، بعد أن تمكن من غرز خنجره في رقبة أحد جنود حرس الحدود، وكان عمري حينها خمسة عشر عاماً، وأثناء الفرار من مكان الإشتباك وجدت نفسي أركض مع رفيق الدرب الشهيد (محمود العزب – أبو رماح) الذي إعتقلته سلطات الإحتلال في مساء نفس اليوم، وهو ما حصل معي أيضاً،  إثر هذه الحادثة، وقد أمضى محمود العزب في السجن ثلاث سنوات وأستشهد أخيراً  خلال إجتياح مخيم جنين في نيسان 2002م.
     
    رحلة الاعتقال
     
    ولم يحمنا من اصطياد الجنود في ذاك اليوم إلا سور المقبرة المقابلة لبيت صديقي علام  أبو الرديف، وفي ظل ذاك السور أمضينا ساعة كاملة من الزمن، وكم تمنينا خلالها لو أننا أصبحنا في ذاك الوقت العصيب جزءًا من السور لكيلا يرانا الجنود الذين بدؤوا بفرض نظام منع التجول على المدينة والمخيم، بعد أن إبتعدت عن محيطنا سيارات الجيش إنطلقنا مسرعين بإتجاه المخيم، وفي المساء زارنا الجنود ومعهم مختار المخيم، وجالت دوريات الجيش الإسرائيلي ومخابراته أحياء المخيم، وأعتقلوا مزيداً من الشباب وأنتهي بنا المطاف في معتقل جنين، وأبلغت لاحقاً بأن إعتقالي يسمى إعتقالاً إحترازياً مدته ثمانية عشر يوماً، أمضيته في قسم  (ج) وهو مخصص للموقوفين وفيه أمضيت الأيام الأولى لي في معتقلات الإحتلال، وهناك ألتقيت بالعديد من الإخوة والرفاق المناضلين أذكر من بينهم الأستاذ سامي الكيلاني وشقيقه الشهيد أحمد وشقيقيه سليم والرفاق سليم خله وعبد الرحيم المعاني  والمناضل مرعي أبو الوفا رحمه الله، لقد كان هؤلاء الرفاق من أبناء الجبهة الديمقراطية تقريباً، ومنهم أستمعت لحكايات ودروس لن تنسى أبداً وفي هذا المعتقل أستمعت لأناشيد الأسرى، وأستمعت للمرة الأولى لأنشودة معتقل (عسقلان)  الشجية بصوت الرفيق إبراهيم خضر .
    عسقلان عسقلان عسقلان
    سطر التاريخ يا زمان
    عسقلان عسقلان عسقلان
    سجل التاريخُ قل يا عسقلان
    في لهيب الدّم حدث يا زمان
    عن رجال عن جباه لا تُهان
    كم حملنا ظّلمة الليل الطويل 
    كم صّبرنا ما عرفنا المُستحيل 
    نحن شعبٌ ليس فينا من ذِليل 
    ما سما نذلٌ ولا ساد جبان
    عسقلان عسقلان عسقلان 
    قد يكون الحُر في القيدِ أسيراً
    وقد تكون الأرض ناراً لا عبيرا
     
    وهي القصيدة التي أختارتها وزارة شؤون الأسرى والمحررين في العام 2011م، كنشيد وطني للحرية، يلخص ملحمة معتقل عسقلان في وجه السجان الإسرائيلي، وقد كتب كلمات ذاك النشيد الأسير الشاعر (محمد أبو لبن) رحمه الله في معتقل عسقلان عام 1976، وهو من مواليد مخيم الدهيشه ،وقام بتلحينها الأسير محمد أبو الزنابيط  من سكان قرية دير الغصون، وسرعان ما إنتشرت القصيدة في كل المعتقلات الإحتلالية، لتصبح أغنية المعذبين في مواجهة الجلادين، وصوت المتمردين على العبودية وسياسة الإذلال المتعمد.
    وخلال ثمانية عشر يوماً أستمعت لثمانية عشر أمراً مفيداً، وأستمعت لثماني عشرة نصيحة مفيدة، وقرأت ثمانية عشر كتاباً وكراساً ، لقد ساهمت تلك الأيام القصيرة بإنضاج وعيي الوطني ومكنتني من الإلمام بأبجدية الوعي السياسي اللازم لي في تلك المرحلة، وخرجت من المعتقل في نهاية اليوم الثامن عشر، وعلى الفور قررت الشروع بإنشاء مكتبةً خاصةً بي لمواصلة مشواري في التعرف على العالم خارج نطاق المدارس، وفي ذاك الوقت كنت إلى جانب دراستي أعمل بعد الظهر في مخيطة السيد نبيل نعيم أبو كارلو من بلدة الزبابدة، وقد التحقت بهذه المخيطة وكان عمري أحد عشر عاماً، أي عندما كنت في الأول إعدادي، لقد ساعدني ذاك العمل على تأمين إحتياجاتي الشخصية ومصاريفي بشكل لائق، ولهذا السبب كان يتوفر معي أثمان الكتب فكنت أذهب إلى مدينتي الناصرة ونابلس لشرائها، وتحولت وأنا في هذا السن إلى زبون دائم للمكتبة الشعبية في نابلس، وذات يوم تجاوزت الحدود بالتعاون مع صديق لي ووصلت إلى مدينة القدس باحثاً عن الكتب والمنشورات والبوسترات الوطنية، خلال العام 1982م وقبل إعتقالي الثاني في كانون أول من نفس العام، تكون لدي مكتبة كبيرة مؤلفة من 700 كتاب، لقد أخذ مني هذا التوجه رعاية خاصة، وأستحوذ على كل إهتماماتي.
     
    أواصر النضال
     
    أثناء ذلك برز في تجربتي العامل الحاسم، والذي أسس في داخلي قاعدة المعرفة النوعية المبكرة للأمور السياسية والثقافية، وهو أنني تعرفت على أخ وصديق لن أنساه أبداً وهو الرفيق (غسان جرار) أبن جارنا العم أبو زهير جرار، وكان طالباً في جامعة بيرزيت، يزور جنين يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، وكان يكرس هذين اليومين لتثقيف مجموعة من شبيبة الجبهة الشعبية الذين أصبحوا فيما بعد أبطالاً وقادة حقيقيين في الجبهة الشعبية، ومنهم الشقيقين حمزة وعمر نايف الحسن، وسامر المحروم، وقدري بشير، وأحمد الحافي، وعلام أبو الرديف، وفضاء الزغيبي وغيرهم، فكان هذا الرفيق يقدم لنا مشكوراً ما يلزم من شروحات وتوضيحات وإجابات على كل الأسئلة التي تصادفنا ما بين الخميس والخميس، ويوضح لنا أموراً مبهمة كنا نصادفها في الكتب التي نقرأها، لقد ربطتني بأولئك الشباب صداقة حميمة وقوية ما زالت قائمة إلى يومنا هذا، وأساس هذه العلاقة كان علاقة الجوار الحميمة مع بيت آل الحافي وهم ذووا المناضل الكبير (ناصر الحافي) رحمه الله، حيث كان يخرج أهلي وأهل ناصر الحافي إلى زيارته وزيارة شقيقي محمد في معتقل نفحة، وهكذا تعزز جوار المنازل بزمالة الهم والألم والنضال، وتحولت هذه الشراكة إلى معزز لعلاقة الجيرة بيننا.
    لقد ساهمت تلك المحاضرات في إثراء وعيي ومعرفتي الثقافية والسياسية المبكرتين  بالقضية الفلسطينية، وبسبب تلك الدروس حصلت على إجابات وافيه على كل الأسئلة التي كنت أسألها لنفسي وللمحيطين بي عن المؤن والإحتلال والثورة الفلسطينية وعن غير ذلك  من السمات التي تميز حياتنا داخل المخيم، حيث أكتشفت بأننا نحن معشر اللاجئين في ورطة حقيقية، قوامها بأننا لن نعود إلى الديار إلا عبر النضال المرير والجاد.
     
    السعي نحو الحرية
     
    وعلى قاعدة إننا مطالبون بفعل أي شيء للمشاركة في النضال الوطني بدأنا لانتفاضة ، بطريقة وبأخرى شكلنا مجموعة ..ثم توجهنا إلى أعلى قمة الجبل المزروع بأشجار السرو  والصنوبر في مدخل جنين الجنوبي، وكان إختيارنا لهذا المكان لأنه يمكننا من إصابة الشارع تماماً فقمنا بإجراء تمرين في اليوم السابق، بإلقاء حجارة من قمة الجبل إلى قاع الوادي حيث الشارع المسفلت والذي ستمر من عليه سيارات الجنود، فكانت الحجارة تصل إلى منتصف الشارع، في اليوم المحدد للتنفيذ كمنا في مكان الإختبار ولم تمض ساعة واحدة على وجودنا هناك حتى أعطانا سمير أشارة البدء، وكان يقف بعيداً عنا  في مكان مشرف على الشارع من بدايته، ونحن الثلاثة بسام وهاني وأنا وقفنا على سطر واحد لكننا متباعدون عن بعضنا البعض بمقدار عشرة أمتار، وكان القادمون عبارة عن سيارة جيب عسكرية وخلفه حافلة مليئة بالجنود، وعلى الفور قام كل  واحد منا بإلقاء الزجاجات الحارقة ، وعلى الفور هربنا إلى الخلف وأختفينا في بطن الحرش المفضي إلى سهل الجابريات المطل على المخيم، أما الجنود فبدأوا  بإطلاق النار ولكنهم لن يتمكنوا من تسلق الجبل على الفور، لأنهم سيصعدون إلينا صعوداً أما نحن فسنهرب فوق سفح الجبل المنبسط  حتى سهل الجابريات، لقد كان التسديد جيداً لكنه لم يحدث أية إصابات في صفوف الجنود، بعد مرور شهر على العملية الأولى قمنا بتكرارها وبنفس الطريقة، بعد ذلك قررنا عدم العودة  إلى نفس المكان فالجيش الإسرائيلي سيبدأ بمراقبة المنطقة، ويبدو أن مجموعة أخرى كانت تقوم بإلقاء قنابل حارقة على دوريات الجيش المارة على نفس الشارع من منطقة أخرى هي أقرب إلى داخل المدينة.
    استمرت محاولاتنا للتصدي للاحتلال  ، في آخر محاولة هربنا متفرقين ،أما أنا فقد هربت من نفس الشارع الذي دخلنا منه، ولكن في نهايته أصطدمت بشخص ما، من غير الوجيه ذكر أسمه هنا وقد عرفني وهو شخص ملعون وكان معروفاً عنه بأنه مشبوه، ولاحقاً قتل في الإنتفاضة الأولى.
    تسربت أقاويل عني عرفت طبعا أن وراءها المصدر المشبوه لأنه رآني ولم ير غيري ليتحدث عنه  ، مما أدى إلى إعتقالي لاحقاً.
     
     
    الإعتقال الثاني والتحقيق
     
    بعد مرور أسبو واحداعلى هذه الواقعة وبتاريخ 28/12/1982م، قام الجيش الإسرائيلي ومعه ضباط المخابرات الإسرائيليين بمداهمة بيتي وإعتقالي، وكان على رأس تلك القوة التي حضرت لإعتقالي ضابط مخابرات يدعى (أسد) لكنه لم يتول التحقيق معي، بعد وصولي إلى مركز الجيش في المدينة تولى أمري ضابط يدعى (عدي)، وقبل أن يوجه لي أي سؤال طلب مني أن أتجرد من ملابسي تماماً والإقتراب من مكيف الهواء المثبت على نافذة الغرفة المطلة نحو الغرب، وكان قد شغل المكيف على الموجة الباردة، أما الجو العام في الخارج فكان موسم الشتاء، وكان يوم 28/12/1982م، هو اليوم الثامن من أيام مربعانية ذاك العام، لقد أخترقت البرودة جسمي وجمدت عظامي، بعد مرور نصف ساعة قال لي أتريد أن تجيبني على أسئلتي لكي أسمح لك بإرتداء ملابسك، أم أن هذا الوضع يعجبك؟، أنا لم أرد نهائياً، فأقترب مني وصفعني صفعةً شديدةً على وجهي، وقال لي على الفور وبسرعة مين كان معك لما رميت المولوتوف على باصات أيجد؟.
    قلت له لم أرم أي شيء ولم يكن معي أحد ولا أعرف أحدا.
    فواصل ضربي وصفعي بقوة كبيرة .
    وكرر السؤال علي، في هذه الأثناء نادى على أحد الجنود، وكنت قد أرتديت ملابسي وطلب منه بالعبرية أمراً  ما، عرفت لاحقاً بأنه طلب منه أن يقيدني إلى ماسورة مثبتة في جدار الغرفة المقابلة وهي غرفة مخصصة للشبح، فأوثق كلتا يدي بالقيود بعد أن غطى رأسي بكيس معتم لا تخترقه أية شقوق ، وأنصرف، وأمضيت ليلةٌ كاملةٌ على هذه الحالة، وعرفت أن الصباح قد أشرق بسبب زقزقة العصافير وتغاريد البلابل العابرة إلى الغرفة من النافذة، ورأيت من نافذة غرفة الشبح شجر السرو الذي تقف عليه تلك الطيور عندما نزع  جندي الحراسة عن رأسي الغطاء، وسمح لي أن أشرب كأساً من الماء، لقد مضى أسبوعاً كاملاً على وجودي في هذه الغرفة والمحقق (عدي) لم يتمكن من إنتزاع أي كلمة مني .
    في نهاية الأسبوع الأول على وجودي في غرفة الشبح، جاء الجندي وأقتادني إلى غرفة التحقيق وعلى بابها نزع عن رأسي كيس الشبح، وهنا واجهني رجل طويل أشيب  أقدر أن له من العمر ستين عاماً أو أكثر بقليل، فقال لي مرحباً يا ناصر، ما بدك تخلص وتخلصنا، وكنت واقفاً فطلب مني الجلوس على الكرسي، فلم أجبه لكنه كرر الطلب الملاصق لسؤاله عن من الذي ضرب قنابل المولوتوف على الباصات؟ وقبل أن ينهي الكلمة الأخيرة من سؤاله وجه لي صفعة قوية أطاحتني من على الكرسي وهوينا أنا والكرسي على الأرض، ووقفت فوراً، إلا أنه واصل ضربي بقوة وغضب شديدين، وقال لي إحنا بنعرف أنك أنت إللي رميت المولوتوف لوحدك  على الباصات وما بدك تعترف على حدا مليح، أعترف على حالك .
    فيما بعد عرفت بأن هذا المحقق يدعى بـ (أبو علي ميخا) وكانت له سمعة رهيبة ومخيفة بين الأسرى بسبب إعتماده المطلق على التعذيب والضرب أثناء التحقيق، وقد تمكن هذا المحقق من إنتزاع إعترافي على نفسي لكن المخابرات الإسرائيلية كانت على يقين بأنني أمتلك المزيد من المعلومات فقاموا بنقلي إلى زنازين المخابرات في جنين، وأودعت غرفة صغيرة جداً تعرف بـ ( أكس )، وأمضيت في هذه الغرفة سبعة أيام، في صباح اليوم الثامن حضر الجندي وطلب مني الخروج وأقتادني إلى ساحة قريبة من مبنى المخابرات، وهناك أوثقت يداي بالقيود ولكنهم لم يربطوا على عيني أية ربطة أو يضعوا على رأسي غطاء، بعد إنطلاق سيارة الجيب من مبنى الحكم العسكري وخروجها من مدينة جنين قدرت بأننا متجهون إلى مدينة نابلس، فوصلت سيارة الجيب العسكرية إلى معتقل نابلس وهناك سلمني الجنود لإدارة المعتقل وذهبوا، وتقدم مني ضابط وقال لي بتعرف أين أنت ؟  قلت له لا .
    قال . أنت في معتقل نابلس .
     
    زنزانة عملاء
     
    بعد قليل حضر شرطي أخر وطلب مني أن أتبعه فوجدت نفسي أمام غرفة من غرف الأسرى، فُأدخلت إليها، وكانت غرفة نظيفة جداً وقدم لي الأسرى المتواجدون فيها كأساً ساخناً من الشاي وكأسا أخر من القهوة ،وطلبوا مني أن أرتاح وأن لا أكلم أحدا، تمددت على السرير لكني لم أستطع النوم، فنهضت، بعد ذلك أقترب مني أحد الأسرى وقال لي الموجه العام يريد أن يتحدث إليك، وكان سريره في زاوية الغرفة بالقرب من الباب، وعرف على نفسه أمامي  بأسم (أحمد) وأنه من سكان مخيم عسكر، وقال لي أنا بعرف كل أبناء مخيم جنين قبل يومين فقط إنتقل من هنا ( على الدمج ) وأنا أستلمت مكانه في التوجيه العام، وعلي الدمج هو أبن عمي وأحد قادة فتح في المعتقلات حينذاك، في الحقيقة أثار في داخلي هذا الحديث مزيداً من الإرتياح، وتابع حديثه معي قائلاً  أسمع أياك أن تحدث أحداً من الموجودين في الغرفة، أو أي أحد ممن ستلقاهم في الفورة غداً، عن ما حصل معك سواء أعترفت به أم لم تعترف به، لأن وضعك الأمني حساس.
    لكن عليك أن تعلم، بأنك أن تركت خلفك أي أمر وتريد الحفاظ عليه وحمايته من المخابرات الإسرائيلية عليك أن تخبرني به للإتصال بالتنظيم في الخارج للتعامل مع الأمر بسرعة، قلت له أنا في الحقيقة قلق على أصدقائي هاني وسمير وبسام ولا أعرف أن تم إعتقالهم أم لا، لكن أرجوك أن تخبر التنظيم بأنني لم أعترف عليهم وعليهم الحذر والإختفاء إلى حين، فقال لي لاتقلق كل شيء سيكون تماما، لكن أنت أكتب لهم رسالة فوراً وأطلب منهم ما تريد، وبالفعل كتبت رسالة قصيرة جداً لهاني وسمير وبسام أخبرهم فيها بأنني لم أعترف عليهم وعليهم الحذر والإختباء وأخذ الرسالة مني وخبأها تحت وسادته، ونمنا جميعاً ومما لا شك فيه بأنني كنت أكثرهم حاجة للنوم فنمت كما القتيل، في الصباح وبعد العدد الصباحي حضر الشرطي إلى باب الغرفة وطلب مني الخروج، فخرجت، أقترب مني  وقيد يداي بالقيود المعدنية، وسار بي في داخل ممرات المعتقل لكن من الواضح بأنني سأخرج منه ولكن سيراً على الأقدام، فدخلنا مبني الحكم العسكري من باب يتوسط السور الفاصل بين المعتقل ومبنى الحكم العسكري في نابلس (العمارة)  فدخلنا مرة أخرى من باب إلى باب، فوجدت نفسي أمام مكاتب المخابرات لكنهم لم يحدثوني في شيء، وهناك إدخلت إلى زنزانة معتمة وباردة كالجليد، وفيها دورة للمياه تنبعث منها رائحتةٌ كريهةٌ جداً، وفي هذه الدورة يوجد صنبور مياه تتساقط منه قطرات  ماء بشكل متقطع لكنها منتظمة، ولا يوجد فيها أي فراش ولا حتى قطعة كرتونه، رغم ذلك أمضيت في هذه الحجرة أثنى عشر يوماً، وكنت أنام واقفا أو جالساً القرفصاء، وفي معظم الأيام لا أنام وعندما يغلبني النعاس أنام على بلاط الزنزانة بدون أن أحس ببرودتها، وعندما أستيقظ أجد نفسي قد تجمدت تماماً، فأبدأ بممارسة بعض التمارين الرياضية لتحريك الدم في عروقي ومقاومة الصقيع الذي أستبد في جسدي.
     
    الإيقاع بالأسير في  زنزانة الثلاجة
     
    في نهاية اليوم الثاني عشر، حضر الجنود وطلبوا مني الخروج  فخرجت وأوثقوا حول معصمي القيود، وقاموا هذه المرة بربط رباطا كاكي اللون حول عيوني وأصعدوني إلى سيارة الجيب العسكرية، وتحركت السيارة إلى جهة جديدة، بعد مرور ساعة تقريباً على سفر السيارة توقفت، وأُنزلت منها وأنا مكبل اليدين ومغطى العينين، وأُصعدت الدرج وأُدخلت إلى غرفة ما، هنا توقعت أنني عدت إلى مخابرات جنين، في هذه الغرفة كان ينتظرني أبو علي ميخا وعدي، بعد قليل أدخلوا على نفس الغرفة الأخ ( بسام الدمج )،فقال لي أبو علي هل تعرف هذا الشاب؟، فقلت له نعم أعرفه فهو قرابتي قال نعم وشريكك في إلقاء العبوات، في هذه اللحظة أدركت بأنني وقعت في فخ الإعتراف بالإحتيال الذي تمارسه المخابرات الإسرائيلية عن طريق غرف العملاء داخل المعتقلات، وأن الغرفة التي دخلت أليها في معتقل نابلس كانت غرفة للعملاء.
    في اليوم التالي كان جميع أفراد المجموعة في زنازين مخابرات جنين، وأعترفنا جميعاً بما قمنا به، وأمضينا في تلك الزنازين ثلاثة أيام مع بعضنا البعض، لكن كل واحداً في زنزانه، لكنه كان بأمكاننا الحديث مع بعضنا البعض من خلف الأبواب وبدون أن نرى وجوه بعض، في اليوم التالي أمرت المخابرات بإدخال أفراد المجموعة إلى المعتقل بإستثنائي، وبقيت في الزنازين بعد دخول المجموعة إلى قسم المواقيف في معتقل جنين أسبوعاً أخرا، وهكذا أمضيت في التحقيق ثلاثين يوماً تقريباً، في نهايتها آلم بقدمي  وجع شديد  لم أتمكن من مقاومته، ولا معرفة طبيعته أيضاً، فتجمدت قدماي تماماً مع إحساسي بوجع ونمنمة قوية ومزعجة، ولاحقاً  عجزت عن الوقوف أو السير عليهما  نهائياً، في اليوم التالي أدخلتني إدارة معتقل جنين إلى قسم  (ج) ، وهناك هبطت  على الأرض تماماً، فأعد  لي  الزملاء طشطاً من الماء الساخن والملح المُذاب، لكي أنقع فيه قدماي المتورمتين، وبقيت على هذا الحال أسبوعاً كاملاً حتى تعافت قدماي من أثار الرطوبة التي أستقرت فيهما بسبب زنازين مخابرات نابلس، والتي عرفت فيما بعد بأنها تسمى (الثلاجه).
     
    التحقيق الثاني
    بعد مرور شهر على إنتهاء التحقيق الأول معي، وفي النصف الأول من شهر آذار 1983م، جاء أحد رجال شرطة المعتقل إلى باب الغرفة في قسم (ج) وطلب مني الخروج من الغرفة فخرجت بدون أن يكبلني بالقيود أو يعصب عيناي بالأغطية، فدخلت مبنى المخابرات وهناك تم إعادتي إلى غرفة الشبح، بعدها إقتادني جندي أخر إلى غرفة التحقيق، وفيها وجدت محققاً جديداً بإنتظاري، وعرفت لاحقاً بأن أسمه (يونس) وهذا الضابط أصبح فيما بعد رئيساً لجهاز الشاباك وأسمه الحقيقي (يوفال ديسكن) وقبل أن يفتح هذا المحقق فمه بكلمة واحدة قررت عدم الإجابة على أي سؤال يسألني أياه مهما كانت طبيعته، وبالفعل سألني قائلاً، ناصر أنت بتعرف (أسماء) فلم أجبه؟، وأعاد السؤال علي مراراً، ولم أجبه، وكنت قد جهزت نفسي هذه المرة لتحمل أكبر مقدار من التعذيب والضرب والسب، فقام من مكانه وطلب مني بلهجة عصبية وغاضبة خلع ملابسي، ففعلت فأدخلني إلى الحمام وطلب مني الوقوف تحت الدش البارد وأبقاني على هذا الوضع لمدة نصف ساعة بعد ذلك أخرجني وأوقفني أمام مكيف الهواء البارد، بطريقة أو بأخرى تجاهلت ما يحدث معي تماماً، وكأن ما يحدث معي الآن يحصل مع شخص آخر، بعد ذلك أعادني إلى غرفة الشبح وهناك أمضيت يومين متتاليين، في اليوم الثالث من التحقيق، قال أذاً لا تعرف من هي (أسماء) أنا سأعرفك عليها، وأعادني إلى غرفة الشبح لكنه لم يفعل شيئا.
     
    الشهيدة أسماء العنزاوي قهرت الاحتلال
     
    أما أنا فعرفت عن من يسأل، فهو يسأل عن أسماء العنزاوي وهي فتاة تسكن بالقرب من حينا وكانت واحدة من بنات الجبهة الشعبية وقد تعرضت فتيات الجبهة الشعبية في ذلك الوقت من العام 1983م، لحملة إعتقالات واسعة النطاق في الضفة الغربية، وقد أخضع قسم منهن للتحقيق في مخابرات المسكوبية، لكن نتيجة تلك الجولة كانت صفرية تماماً بالنسبة للمخابرات الإسرائيلية، فبعد مرور أكثر من عشرين يوماً على التحقيق معهن لم تتمكن المخابرات من إنتزاع أي إعتراف منهن وتم الإفراج عنهن جميعاً، لقد كانت الشهيدة أسماء العنزاوي أكثرهن جرأة وقوة، لهذا السبب كانت المخابرات تبحث عن أي شيء يقود إلى إدانة تلك الفتاة علماً أن معرفتي بها كانت معرفة شخصية ولم تكن تنظيمية إطلاقاً، ومن جانب آخر كانت تربط عائلتي بعائلتها علاقة نسب حيث تزوج أبن عمتي (مصطفى ) شقيق زميلي هاني وهو مدرس في العربية السعودية من خالتها قبل إعتقالنا بأشهر قليلة، لكن أسماء العنزاوي كانت رحمها الله فتاة طيبة ورائعة وقوية، لهذا السبب واصلت المخابرات الإسرائيلية إستهدافها وأطلقت من حولها العملاء لكي يوقعوا بها ..
     
    مصففة الشعر عميلة أوقعت بالشهيدة
     
     وقد تمكنت العميلة شروق الصفوري وهي صاحبة محل (تصفيف شعر للسيدات) من إصطياد أسماء بعد الإفراج عنها بوقت قصير، فوضعت لها المخدر في كأساً من الشاي في أحدى زيارات أسماء لصالونها، وتمكنت من تصويرها في أوضاع  غير لائقة مع العميل مازن الفحماوي، الذي تم إعدامه في معتقل الرملة بسبب دوره في هذه الواقعة وغيرها من عمليات الإسقاط الإجرامية بحق شعبه، أما أسماء التي تمت مواجهتها بالصور من قبل العميلة شروق والعميل مازن، طالبين منها العمل معهم أو فضح أمرها على الملأ فقد قررت مواجهة هذا التحدي بالتحدي، فبعد أن وصلت بيتها قامت بشرب كمية كبيرة من المبيدات الحشرية مما أدى إلى موتها لاحقاً في مشفى جنين، وهكذا فضلت أسماء العنزاوي أن تقهر الإحتلال بموتها على الوقوع في شرك الرذيلة، أو أن تسمح للمحتل بالإنتصار عليها.
    في نهاية اليوم الرابع من أيام الشبح تم وضعي في زنازين المخابرات، وبعد مرور ستة أيام عدت إلى قسم (ج) حيث ينتظرني الإخوة على أحر من الجمر لمعرفة ما حصل معي، في يوم الزيارة الأولى لي على شبك غرفة زيارة الأسرى لذويهم في معتقل جنين، فوجئت بزائري في هذا اليوم وكانت أحدى رفيقات أسماء ،سررت كثيراً عندما رأيتها، وقلقت أكثر من زيارتها لي، وسألتها من فوري عن أسماء وأحوالها، فقالت زائرتي بعد أن صمتت قليلاً، لقد جئت لأبلغك بأن أسماء قد أستشهدت قبل يومين، وروت لي الرواية الكاملة عن ملحمتها في مواجهة المخابرات الإسرائيلية.
     
     
                                أسرانا 

عدد المشاهدات : ( 3359 )


التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك