أدبيات

  • رسالة إلى أسير - رولا أبو عطية


    17/04/2013
     
     
                             
     
     
    بسم الله الرحمن الرحيم
     
    عزيزي وزوج أختي وصديقي الأقرب إلى قلبي "محمد"
    إلى الجبين العالي الوضاء الذي يلوح لنا من البعيد كمنارة تنير دربنا
    إلى العيون التي وهبتنا بريق الأمل بأن شمس الحرية ستشرق لا محالة
    إلى الزنود التي أهدتنا كبرياءً وكرامة ورسمت لنا طريق الشموخ والعزة والمجد
    إلى القلب الذي احتضن حب فلسطين بين ضلوعه ليحميها من الاستلاب والقهر
    إلى الأقدام التي لم تهدأ ولم تتخاذل يوماً لتحرس حدود العشق اللانهائي لوطني
    إليك أخط كلماتي هذه مع نسائم تشرين الأول بحزنه وغضبه وتحريضه لكل ما فينا على البدء من جديد .. مهما بدا الدرب طويلاً وموحشاً ومظلماً ولا نهاية له.. 
    كم تمنيت أن أكتب لك طوال الست سنين التي مضت .. وتساءلت دوماً لماذا لم أحاول .. !!
    ولكن.. الآن .. اسمح لي أن أخط إليك حروفي هذه وأرسلها مع نسائم تشرين التي تحتضن عطر أنفاسك وصدى وقع خطواتك على ثرى وطني الحبيب وتعانق خفقات قلبك الذي احتضن عشقاً لوطن ما زال على خارطة الوجود لأنكم ما زلتم ..
    صديقي .. ربما تشاركنا الكلام مرات قليلة .. ولكن من قال أن المعرفة تقاس بالوقت..! من قال أن الانتماء لشخص ما بحاجة لسنين طوال ..!!  لقد كنت من الأشخاص الذين تركوا في حياتي أكبر الأثر .. كم افتقدك ..أيها الغائب الحاضر.. يا من رسمت لنا طريق العزة والكرامة .. وعلمتنا أن المبادئ لا تباع بكل كنوز الأرض .. وإننا بمنجل إرادتنا نحصد كل الأشواك من دربنا.. زرعت في قلوبنا عشق الوطن .. وحب الحياة..
    لو سألوني من أنت ؟
     سأتعب وترتبك الكلمات في فمي وتسبقها زفرة من أعماق القلب.. ولكن روعة استحضارك ستطغى على كل شيء فأحدثهم كأنك تجلس أمامي بكل هيبتك ووقارك وروعتك وعنفوانك ..
    لأقول لهم بأنك "أجمل شجرة زيتون في وطني" معطاء وصلب .. حانٍ وعطوف ..محب للناس.. عاشق للحرية..
    إنسان لا يرضى إلا بحكم المنطق والمنطق يقول أننا ولدنا أحراراً ، وسنبقى أحرارا مهما طالت عتمة المعتقل.. مهما عوت الرياح خلف قضبان الحديد لتوقظ حنينك لأقرب الناس إلى قلبك  لرفيقة دربك وفراشاتك الثلاث فيروز ودانا وأقصى... مهما نخر البرد في عظامك ليشعل لهفتك لدفء العائلة .. كلنا نعرف أن هذا لن يزيدك إلا قوة وتمسكاً بما آمنت به وناضلت من أجله .. هذا الشوق المتأجج سيمنحك درعاً في وجه الزمن البطيء الذي يمر عليك هناك في سجنك كأنه أبدي لا ينتهي .. فيتوهج بريقاً في عينيك ويخفق قلبك بشدة ويزداد إصرارك على المضي قدماً..
    كلما مرت الأيام ازداد عشقي لفلسطين التي أراها في عيون رفيقة دربك الرائعة الأجمل والأبهى من نوار شجرة برتقال والأحمل من كل الجبال والأروع من أي وصف أو مقال.. إنك خير مثال للرجل المناضل .. الذي يقدر قيمة المرأة وكيفية التعامل معها ..ويؤمن أن مكانها دوماً في المقدمة ..هذه المرأة المناضلة الصابرة اللامتناهية العطاء التي تؤمن بالقضاء والقدر وعدالة القضية التي تناضل من أجلها .. فتحملت غياب أغلى الناس على قلبها وناضلت كما ناضلت فأثمر عشق الوطن الذي ترعرعت عليه عائلتك وبناتك .. فغدوت بالنسبة لهم الهواء والشمس والماء والأرض والربيع القادم حتماً مهما طال انتظاره..
    انك وطنهم الصغير .. جنتهم الأجمل التي شمسها أنفاسك وتغريد طيورها دقات قلبك وربيعها حبك وقمرها نور عينيك.. فطوبى لهذا القلب الذي عشق وطنه فغدا وطناً لأعز أحبائه .. ترعاهم مهما كنت بعيداً.. دائم الحضور بهيّ الإشراقة كصباح نيساني جميل ..
     
    أرى وطني في سحر وبراءة صغيرتك الجميلة أقصى ولهفتها للعيد القادم وأنت معهم.. 
    في ابتسامة دانا التي يكسوها حنين دفين لعناقك ..   
    في عنفوان فيروز وعشقها لك..عندما يسألها الناس أين بابا يا فيروز ..؟
    فتقول: بابا مناضل .. سجنه الاحتلال وسيخرج عما قريب إن شاء الله .. وترفع هامتها عالياً يكلل جبينها إكليل من الكبرياء والمجد والفخار لأن أباها "محمد"  .
    كثير من الناس ضلوا طريقهم .. أضلهم العقل ولم يهدهم القلب .. فضاعوا وحصدوا حصاد الويل..
    أما أنت يا محمد فقد دلك عقلك على طريق الحق والكبرياء والحرية .. وهداك قلبك ولم تخطيء بوصلتك .. إنك كقطرة الندى التي تعشق نور المدى ولا ترضى بأقل من الحرية لوطن من الأحرار.. .. إنك قدوة لكل إنسان حر في هذا العالم.
    من قال أنك سجين ..!! إنك حرٌ أكثر منا .. 
    نعم .. لقد هزمت سجانك وانتصرت عليه.. وسلحت نفسك بالإيمان بالله وحفظ القران والصلاة، روضت عقارب الساعة وسيرتها كما تشاء فلم يثنك السجن عن مواصلة دراستك وأخد درجة الماجستير.. لم تقو أسوار سجونهم مهما علت أن تعتقل أثير وطني الذي يحمل شذى حبك وحنانك وأشواقك عبر طياته لينثرها ربيعا زاهيا في قلوب أحبائك.. لم يستطع ظلام السجن أن يطفئ شعلة نور روحك المتقدة الأخاذة التي تنير عتمة لياليهم وأنت بعيد عنهم .. لم  تهزم سنين غيابك الطويلة لهفة باب بيتك الذي يبكي حنينا لأن تقرع ثناياه ذات مساء.. لتنثر ورود الحب والوفاء وتحتضن فراشات الفرح والصفاء.
     
     
    صديقي في هذه الحياة ..
    إن سالت عن أخباري.. فأنا بخير والحمد لله.. وأبنائي عيسى ونتالي وثروت كلهم بخير ويهدونك المحبة والسلام.. عيسى أصبح في الصف الرابع يحبك كثيراً ويعتبرك بطله ويتذكرك دائما.. ينتظر بقلب لا يعرف الصبر أن يكبر يوماً ليصبح  مثلك.
    عزيزي ..
    مهما طال غيابك .. سيبقى حبك  فينا نضرا كغصن أخضر يانع لا يجف أبد الدهر، ومهما طالت سنين الأسر.. سنظل نراك في سنابل القمح وحبات الزيتون .. في الأرض المحروثة .. في النرجس في الفل في الياسمين .. 
    ستظل تلك الجسور الروحية التي بنيتها بعشقك لوطنك وصدق انتمائك وحبك لعائلتك وأهلك وناسك .. حية فينا لا يقوى على تحطيمها جدار السجن .. يزهر فيها شوقنا إليك أجمل أزهار الأمل بغد أفضل ووطن حر.
     
    ودمت مشعلاً نستضيء به في عتمة الدرب ،،،
        المشتاقة
            رولا  أبو عطية
     
    محمد عبد المحسن زغلول حسن "أبو فيروز" / دورا القرع
    سجن بير السبع / ايشل
    مدة الحكم: عشرون عاما
     
     
     
     
     
     
     
     

عدد المشاهدات : ( 1471 )


التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك