اجتماعيات

  • أم الأسير رائد شبيطة " لا تعتذر إلا لأمك "


    17/04/2013
     
    أسرانا - نابلس 

    هي السيدة فاطمة شبيطة من مواليد نابلس ، أم لثلاثة أبطال تخرجوا من السجون رايات للحرية ، و بطل لم يزل في عهدة نافذة منسية تطل على عيني أمه، كشهقة عطر مرشوشة في بئر الغزال ، أو كقبلة نرجس نابلسي على نبع القوارير ..
    وأمه  تنتظر حريته منذ حانت ساعة الصفر  في ال 21من  حزيران الأسود لعام 2005، حيث كانتقوة من جيش الاحتلال تنصب كمينا لرائد ، في ساعة متأخرة من الليل ، عند  رفيديا المدينة القديمة في نابلس ،ولأن في الأمومة ما يحيل إلى النبوءة ، فإن دليل الأم قلبها ، الذي يحدثها بما يكتم الغدر ...فأي دمع بعدها يكفي ؟ أي خوف ؟
    حتى الخوف الذي يبلغ الحناجر ، يصغر ويبتلع القيامة بريق مر ، ويابس ، فهذا الحبيب ، الذي اقتسم معها نومها ورتبت له وسادة الحلم ، على حضن سريرها ، اختطفوا منها حضنها إذ اختطفوه  ، سلبوها عين نومها ، ولم يتبق من حضنها المسروق سوى رائحة يديها على جبين وسادته ، تمسد الحلم ، وتعجن الأمل بفرن الذاكرة ، حيث ينضج الصلصال ، ويتجسد الوطن بهيئة البطل .. 
    يقول الأسير  على لسان القصيدة :  ( في بيت أمي صورتي ترنو إلي ) ..
    ويقول درويش :
     
    ( هاهي ذكرياتك كلها مرئية ..
    عطر الميرمية
    قهوة الأم
    الحصيرة والوسائد
    باب غرفتك الحديدي
    صورة الأب
    الأشقاء الثلاثة والشقيقات الثلاث
    وأصدقاؤك في الطفولة ...
    ( هل هذا هو ؟) اختلف الشهود ..والتفتوا إلى أمي لتشهد أنني هو
    فاستعدت للغناء على طريقتها : أنا الأم التي ولدته
    لكن الرياح هي التي ربته .
    قلت لآخري : لا تعتذر إلا لأمك ! )
    تقول أم الأسير :
     
    ( لم أنمْ ، كنت طوال الليلة أحس بثقل جاثم على صدري ، قلبي أنبأني بساعة الصفر ، كانوا يراقبون رائد ، ويتربصون به ، منذ الليل ، وكنا نحس بذلك ، لم نكن ننام ليلا ، كأننا كنا ننتظرهم ، وإحساسي صدق ، لم يهدأ قلقي ليلتها ، هذا ابني قطعة من روحي ، أحسه وأحس بأي خطر يقترب منه ، حتى بعدما أسروه ، كنت أعيش معه ، أعيشه ، بهواجسي ، بقلقي عليه ، أفكر به  ، بنومه ، بحياته ، بمأكله ، بنومه ، بفرشته ، بدفئه ، بتعبه ، ابني بين يدي عدوه ، مهما شرحت لك لن أستطيع أن أصف لك كيف تمر كل لحظة علي ، كيف أحس بالسكاكين تقطع كبدي ، مهما حدثتك أم الأسير عن مرارة عذابها بأسر ابنها ، لن تتخيلي أو تتصوري حجم المعاناة ، والحمد لله رب العالمين على كل حال )
     
    لولا ابني بروح ظهري ..
     
    (  تمر علي اللحظات قاسية  عندما أفكر بالمجهول حيث اختطف ابني، فكيف يحققون معه ؟ هل شبحوه ؟ هل عذبوه ؟ بالي عنده في كل لحظة وكل ثانية ..أفكر به كيف يفكر بي ، يصر على رضاي وراحة بالي ، أمنيته أن ينزل من الاعتقال ليلاقيني موجودة هنا تماما كالأيام الخالية ...ابني سندي ، لولا ابني بروح ظهري ، أبنائي يسندونني ، وأنا أقوى بهم ، وأشد من أزرهم  ، أناضل لرفع معنوياتهم ، أطمئن بال رائد كلما تحدثنا أقول له نحن بخير ، وحياتنا لا ينقصها سوى عودتك بيننا ، أشحذه بالأمل وبالحلم ، وبالوعد أن نرتب له الفرحة بما يليق به ، الأم الفلسطينية مصدر قوة لابنها الأسير في سجنه ، ترتب لعرس حريته وتزينها له كي يعيش على أملها ، ولا يستسلم لسنين الأسر وعذاباتها ، الأسر بلا راحة ، وفلسطين كلها سجن كبير ، و حياة  الأسير من الجحيم  ...لكننا كأمهات أسرى اعتدنا أن نقول لأسرانا : بإرادتكم تروضون قدرنا  معتمدين على ما يشاؤه الله تعالى ،  نحن أهل الأسرى نرفع رأسنا بهم ، متسلحين باليقين أن شعبنا الأسير يتحرر بعون الله  ، وبالايمان بالله و الايمان بالوطن وبالحق ، نحن أصحاب حق ، لا نترك بيوتنا ، ولا نريد الشتات ، نحن لم نحتل أحدا ، وتأكدي أن هنالك الكثير من القصص التي يمكن أن أرويها لك تدل على رسوخ هذا المبدأ الحق عندنا )
     
    عائلتي كلها كانت في السجن
     
    ( أحد الشباب في حارتنا اعتقلوه قبل فترة خلال أحد الاشتباكات قرب عمارة بعد أن تصاوب ، سألوه : ماذا تفعل هنا ؟ قال له هذه حارتي ، انا لم آت إليك ،أنت من جئتني وأطلقت علي الرصاص ..
    هكذا نربي أبناءنا ، هكذا نصمد ويصمدون ، وهكذا نحافظ على أرضنا ،  ويفعلون مثلنا ،،، أبنائي كلهم سجنوا ، لم ينفد منهم أحد ، لنا تجربة طويلة ومشوار أطول مع الحرية ، قضيت طول عمري أذهب لزيارة أبنائي في السجون ، كان عندي ثلاثة أبناء أسرى ، أذهب لأزورهم الثلاثة في نفس اليوم ، أراهم أمامي قبالة ناظري ، أحدثهم ويحدثونني ، أصبر على حسرتي وألمي عليهم ، أصبر نفسي وحزني ، وما أن أدير وجهي ، وأخرج ، أحس بروحي تطلع من جسدي ، يأتي أهل الأسرى حولي والأسرى ، يسألونني : ما بك ، هل نحضر لك شيئا ، أقول لهم : ليس بي شيء ، ولكنهم أبنائي شباب كالورد ، أتركهم هنا ورائي ، هم حياتي حبايبي ، أهلي ، ثلاثة إخوة في قفص ...كيف يتحمل المرء أن يترك عائلته في السجن ، ويعود إلى بيته بدون أحباب قلبه )
     
                   
     
    الاحتلال يحارب الملائكة
     
    ( انظري قسوة الاحتلال حتى مع الأطفال ، أذكر كان عمر ابني رائد ست سنين ، عندما سافرنا إلى عمّان ، وشاهد في السوق محلا لملابس الأطفال يبيع البدلات العسكرية ، طلب مني أن أشتريها له ، ففعلت ، ونحن في طريق عودتنا على الجسر ، كان يرتديها ، لما توجه نحونا جنود الاحتلال وطلبوا فصل طفلي عني ليتم تفتيشه في غرفة الرجال ، لم يفد اعتراضي بشيء، أخذوه ، وأعادوه لي عاريا ، شلحوه البدلة ورموها في القمامة ، قلت لهم : الله أكبر ، الولد مشلح ، ما بتستحوا على حالكم ، ما معي الو ملابس- لم احمل حقيبة ، توجهت لسلة القمامة وانتزعت البدلة وطلبت رؤية المدير ، قالوا لي : إن رآك ورأى البدلة سيقوم بحبسك ، قلت : أنا أريده أن يحبسني ، وأصريت على أن يلبس ابني البدلة مرة أخرى ، رأيت في عيونهم حقدا على الطفل لم أره في حياتي ، كانوا يهمون بإطلاق الرصاص علي ، حتى فرحة الأطفال يصادرونها ، إننا نتعامل مع عدو ظالم ، مجنون ، وحتى في الزيارة ، كانوا يتربصون بالصغار قبل الكبار ، ويكيلون لهم الشتائم البذيئة التي يسألنا أطفالنا عن معناها ولا نستطيع أن نجيب..
    في أحد المرات، كان رائد يلعب بمسدس بلاستيكي ، عمره كان عشرة سنوات ، عندما لطش منه الجندي لعبته ، ودهسها  بقدميه ، يعاملون الأطفال كأعداء ، قال له رائد : هذه لعبة وليست مسدسا حقيقيا ، رد عليه : اسكت هلأ بطخك ، قال له ابني : لو بتطخني بتريحني )  ..واقع الاحتلال الذي يعيشه أبناؤنا يفرض عليهم حتى لعبهم ، كل طفل يحلم أن يصبح جنديا لما يكبر ، لا واقع آمن لا ملاه لا ترفيه يعطيه شكلا آخر للحلم )
    في حزيران القادم ، سيفتح باب الشمس ، ليخرج رائد بعد طول انتظار ، محفوفا بالدعوات وبركة القلب في محراب الأم ...إنه الحبيب القديم لرفيديا ، جبل نارها المتقد كشعلة في يد البندقية ، عائدا من منفى موصد ، مخترقا جدر العتمة بفرس الشمس، محمولا على كتف البنادق والزغاريد ..( وإمو يا إمو يخليلو إمو)  ، تفرش له درب حريته بعرس الحياة ، حيث تنهض نابلس من سبات المدن المتثائبة ، لتشد الرحال إلى بيت رائد ، وتنام في حجر أمه .
                                 
                                                                              أسرانا

عدد المشاهدات : ( 1651 )


التعليقات

الاسم ناديه
التاريخ 18/04/2013 06:14:22 ص
التعليق حبيبة قلبي فطومه قربت طلعت رائد ان شاء الله بتشوفيه وبتفرحي في يارب
الاسم Maram
التاريخ 20/04/2013 04:59:44 م
التعليق لقد صبرتي كثيرا يا أم الأبطال ... ربنا يفرحك بطلعة رائد بالسلامة وربنا يفرج عن جميع الأسرى البواسل
الاسم شادية العيسوي
التاريخ 24/04/2013 09:32:09 ص
التعليق الله يفك اسرك يا رائد وترجع لامك بلسلامه ياقرة عينها وفلذة كبدها الله لا يحرم ام من ولدها يارب ويفرحها فيك ما فاضل شئ لشهر حزيران القادم منتظرينه بفارغ الصبر الله يفرجها عليك

إضافة تعليق

الاسم  
البريد الالكتروني    
التعليق  

أسرانا

جريدة الكترونية دورية مستقلة ، تُعنى بشؤون الأسرى وإبداعاتهم ، صدر عددها الأول من لندن في يوم الأسير الفلسطيني 17-4-2012

بحث

للتواصل معنا

  • LinkedIn
  • يوتيوب
  • تويتر
  • فيسبوك